السيد كمال الحيدري
124
اللباب في تفسير الكتاب
ممّا تقدّم تبيّن أنّ القرآن الكريم له مراتب كثيرة مترتّبة طولًا حيث تبدأ من أعلى المراتب الوجوديّة ، ثمّ تتنزّل إلى التعيّنات العقليّة بمراتبها المتعدّدة ، فتكون العقول بفعليّاتها ووجوداتها مصاديق للقرآن ، ثمّ تتنزّل إلى التعيّنات النفسيّة ، فتصير النفوس بفعليّاتها مصاديق له ، ثمّ تتنزّل إلى التعيّنات المقدارية النورية فيصير عالم المثال بمراتبه مصاديق له ، ثمّ نزّله الحقّ إلى التعيّنات الطبيعيّة ، فصارت الأجسام الطبيعيّة مصاديق له ، ثمّ انتهى إلى آخر مراتب الوجود ، وأُلبس لباس الصوت والحروف والكتابة والنقوش حتّى تطيقه الآذان والأبصار البشريّة ، فصارت الحروف والنفوس مصاديق له . ولمّا كان جميع مراتب الوجود مصاديق للقرآن صار تبياناً لكلّ شئ ، ولا رطب ولا يابس إلّا كان فيه . ولمّا كان القرآن له هذه الدرجات والمراتب الوجوديّة ، إذن فللناس مراتب متنوّعة في الإفادة منه . فمن يرتبط بالقرآن على مستوى مراتبه النازلة المُشار إليها ب ( هذا القرءان ) فحظّه العلوم الحصوليّة والمدرسيّة التي تكون عرْضة للنسيان والزوال ، أمّا الكاملون الذين يرتبطون بالمراحل العالية من القرآن المشار إليها ب ( ذلك الكتب ) فهم يتعلّمون القرآن من ( عند الله ) و ( لدينا ) ومن ثمّ فإنّ حظّهم العلمي منه قد وسم ب « العلم اللدني » : ( وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ) ( النمل : 6 ) . العلاقة بين الظاهر والباطن اتّفقت كلمة أهل التحقيق على أنّ ظاهر الشريعة ليس هو منتهى الإدراك في ذلك ، من هنا جاء التأكيد في كلماتهم أنّ الطريق إلى الباطن إنّما يمرّ من خلال إتقان الظاهر وضبطه كوسيلة لبلوغ الباطن . قال الغزالي : « لا يجوز التهاون بحفظ التفسير الظاهر أوّلًا ، ولا مطمع في